في فُلْكِ القراءة: سباحةٌ في لجج البيان"
ــــــــــــــــ
إنّ القراءةَ الواعيةَ ليست دَأْبَ مَن يَطْوي السِّفْرَ طَيَّ الظامئِ دِلاءَه، ولا شأنَ مَن يُصوِّب حدَّ بصره في السطور وهو أعمى البصيرة. ولكنّها مَساقٌ إلى التجلّي، وطريقٌ إلى استنطاق الروح، ومَرقًى تُفاض فيه الحكمة على مَن رقّ قلبُه، ولانَت عريكتُه، وانقاد له لسانُه.
وما كلُّ كتابٍ يُؤتى بابه؛ فمن الكتب ما لا يفُضُّ أقفالَه إلا ذو طبعٍ دَرِب، وذوقٍ مُصفّى، ولُبٍّ لا يَسْتَوحِش من الوعر ولا يَضيق بذُرى البيان. فاختر—أكرمك الله— ما تُنبت به ملكتك؛ فإنّ في كلام الجاحظ جبالًا من الحكمة، وفي مقامات الحريري صَنعةً تُدهش الفطن. ووراء ذلك نثرُ الرافعي الذي تلوح فيه سِماتُ الأوّلين، والعقّاد الذي يجول في الفكر جَوَلان الأسد في فِجاجه، وجبران الذي نسج من الروح سُحُبًا ومن المعنى طَلًّا.
ثمّ انزِل بالقراءة منازلها ثلاثًا لا تستقيم دونها:
فأولاهنّ: قراءةٌ تَسْبُر ظاهر المعنى، وتفكّ عُقَد السياق، تُقبِل فيها على الفكرة إقبالَ السابح على الماء، لا تلتفت إلى شذوذ لفظٍ ولا استبهام تركيب؛ فإنّ مَن لم يُحِط بالقشر لم يبلغ اللباب.
وثانيتها: قراءةُ التحقيق، تُطيل الوقوفَ عند المفردة كما يطيل الصائدُ الترقّبَ عند المَكْمَن، تُحاكمُ الألفاظ إلى المعجم، وتستنطق الجملةَ: لِمَ قُدّم هذا وأُخّر ذاك؟ وما سرُّ انسجام العبارة واتّساق الفاصلة؟ ثم تُصغي لما بين الحروف من رَجْعٍ خفيّ لا يلتقطه إلا فؤادٌ صَقيل: سجعٌ كجرسٍ في فلاة، وجناسٌ كالتواء الرمح، وتكرارٌ يضرب في النفس ضربَ النَّواقيس في الهجير.
وثالثتها: قراءةُ البلاغة؛ وهي قراءةُ مَن نَظَرَ إلى اللُّباب لا إلى القشر. تُقابل فيها عبارةً بعبارة، وتلمس الصورةَ لمْسَ العارفِ بأوتارٍ مشدودة: أهي استعارةٌ قد شقّت للمعنى ثوبًا جديدًا؟ أم تشبيهٌ يَفتحُ في المعنى رَوْضًا؟ أم هي كنايةٌ تُورّي جمرًا تحت الرماد؟ وتساءل نفسَك: أيُّ أثرٍ خَلّفته العبارة في القلب؟ وأيّ وَقْعٍ تركه الإيقاع في الروح؟ فإنّ الكلام لا يهوي في النفس هُوِيَّ الريح في الخلاء، بل يسكن فيها كما يسكن الضوءُ في لُبّ الفجر.
ثمّ اجعل لك سِجِلًّا تُعَلِّق فيه فرائد البيان، وتقيّد شِرار الأفكار قبل أن تخبو، وتُدَوِّن ما لذّ لك من بديع الاستعارة وندرة التركيب؛ فالكلمةُ الشريدةُ إذا لم تُقَيَّد ضاعت، وإن قُيّدت صارت كالحَجَر الكريم في تاجك.
وإذا آنسْت من نفسك قوّةً، فاختبرها بـ المحاكاة؛ فإنّ البيان لا ينفذ إلى النفس إلا إذا جرى على اللسان، وما ازدهر لسانُ امرئٍ إلا بتمرينٍ متّصل. فانسج على منوال الكُتّاب، ووجّه قلمك وجهةَ أساليبهم، تَجِدْ أن صرير قلمك قد أخذ من صرير أقلامهم حظًّا لا يُستهان به.
وإيّاك الاغترارُ بكثرة القراءة؛ فإنّ الكتبَ بحارٌ، ولا يعبُر البحرَ مَن تنقّل بين سواحله، ولكن يعبُره مَن ألقى بنفسه في لجّته. فكتابٌ واحدٌ تَغوص فيه غوصَ الغائص على الدُّرّ، خيرٌ لك من عشرين تُقَلِّبها تقليبَ الحصى.
فإذا لزمتَ هذا النهج، أزهرتْ فيك ملَكةُ البيان، واستوى لسانُك على سوقه، وصار قلبُك مرآةً تعكس روحَ النصّ، لا حافظًا لألفاظٍ جوفاء. وحينئذٍ تعلم أنّ القراءة ليست عادةً، ولكنها سُلَّمٌ يُؤدّي إلى سموٍّ لا يناله إلا مَن عَضّ على العلم بنواجذه، وصبر على الوعر، واستلان الصعب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق