
الشعرُ الكبيرُ
معي هنا،
كي ننظرَ إلى عمق هذا المعنى، الذي جاء به أبو العلاء، في هذا البيت.
"تثاءَبَ عمرٌو إذ تثاءبَ خالدٌ
بِعَدْوَى فما أعْدَتْنِيَ الثُّؤباءُ"
المعنى الظاهر هنا.
إن التثاؤب مُعْدٍ؛ لمن هم مع الإنسان، ممن يريدُ النوم منهم، وهذا أمر حقيقيٌّ، فالتثاؤب كذلك.
لكني لم تنقل إليَّ، هذه العَدوَى ولم تمرُّ بي.
أما المعنى المعني العميق جدا، الذى دلَّ عليه هذا المثال في البيت هو: إثبات أبي العلاء؛ لمضمون فكره وخلاصةِ عقيدته، وهي أنه، لن يكون مثل البشر يأتي ويعيش وينجب ثم يموت؛ بل هو شئ آخر غير ذلك.
بالنسبة لفكره الذي بُنيَ على أن الحياة تعد خطأً في حد ذاتها؛ لذلك لم يتزوج ولم ينجب؛ وله أفكاره الأخرى الذي أطلق عليه بها، لقب فيلسوف الأدباء.
ثم نتطرق؛ لمشهد آخر في حياته، يُدَلل على فكره، طالما ذهبنا إلى ذلك.
وهو أنه أوصى أن يُكتب هذا البيت على قبره بعد موته، وهو بيته الشهير .
"هذا جناهُ أبي عَليَّ
وما جَنيتُ على أحدْ"
ما يعنيني هنا من البيتِ الأولِ،
عمقُه الشعري ونحن هنا بصدد شاعرٍ.
وهذا من المفروض أن يكون قانونا يفرضه كل قارئٍ على نفسه تجاه الكاتب الذي يقرأ له.
لا يعنني منه غير نتاجه، لا يعنيني أبدا لا عقيدتُه ولا شخصه حتى، وإن وصف بالشذوذ في حياته وفكره، فهو ليس برجل دين يُلام،
ويُحاسب على اختلاف عقيدته عن العقيدة التي يدعو لها أو العبثِ فيها.
هنا يجب التوقف والمحاسبة.
***
وانظر معي هذا البيت، وهو أيضا لأبي العلاء.
"وكيف تنامُ الطير في وُكُناتِها
وقد نُصِبتْ للفَرْقَدَيْنِ الحَبائلُ
الوكُنات: أعشاشُ الطيرِ.
والنَّصب: التجهيز.
والفرقدين: كوكبان في السماءِ يُضربُ بهم المثلُ"
في العلو والارتفاع، مثل زُحل والثريَّا.
الحبائل: الفِخاخ جمع فخٍّ وهي التي يستعملها الصياد،
في صيدِه.
والمعنى يكون.
كيف لكِ يا طيرُ، يا ضعيفة، يا من لا تُذكرينَ في معيار القوةِ والضخامة.
كيف لكِ أن تنامين وتهنئين، وأعظم المخلوقات وهيَ الكواكب -لأنها تُعد مخلوقةً- قد جُهِّز لها فخُّ الفناء والذهاب، في آخر الزمان.
فكل مخلوق فانٍ، فكيف يهنأ من هو يعلم أنه فانٍ وهالكٌ، في يوم من الأيامِ.
أعد قراءة الأبيات الآن كل بيتٍ على بمفرده بعد شرحه وستندهش من عظمة وقوة البيتين.
دمتم بخير ونبلٍ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق