
حبيبتي ببلاد الأندلس
حبيبتي…
ذهبت إلى طليطلة،
ولا تسأل عن جهالة!
أخبرني عن وجودها
القوطُ والبربر،
وكبيرُ قشتالة.
رأوها في المسرح
الروماني الكبير،
تدعو روّاده لسهرةٍ أندلسية،
على ضفاف نهر التاج
تتسكّع مساءً،
وفي الصباح
تحتسي القهوة القرطبية.
ليس لها هناك عنوانٌ
ولا سكنٌ شرعي،
لكنها في كل مكانٍ مرئية.
تأكل من تحت أقدام البقايا
وفلول القبائل،
ليس لها أصولٌ عِرقية.
حبيبتي… فريسةٌ للكهنة
وعبدة الشهوات،
والمتسكعين في
الطرقات الخلفية.
أرسلتُ لها أن تعود،
فلم تُعرني اهتمامًا،
ولا قرأتْ لي برقية.
سافرتُ لأعيدها
من طليطلة،
فوجدتُ الأسوار
مرتفعةً جدًا ومبجَّلة.
من بنى هذا السياج،
وجعل المدينة مكبَّلة؟
حبيبتي خلف
أسوار الرومان… مهلهلة.
أريد الدخول،
ولي أسبابي المعلَّلة،
حبيبتي في خطر،
وتطلب منهم متذلِّلة.
يفصل بيني وبين
حبيبتي أسوارٌ وأبواب،
ومتاريسُ من صنع حنظلة.
ثم جاء مرسالٌ
من طارق بن زياد،
وجدتُه يبحث عني
بين العباد،
ينادي:
من جاء لأجل شرٍّ…
لأنازله،
ومن جاء لأجل خيرٍ…
لأواصله.
فقلت:
يا هذا، ها أنا،
وحبيبتي خلف الأسوار…
ها هنا،
ومن أجل خيرها أتيت،
فهل أصلُ القصدَ لمنزلة؟
فأمر… ففُتحت الأبواب،
ودخلتُ المدينة
بصكٍّ مختوم.
طليطلة…
كلُّ شيءٍ فيها مهدوم!
أين القادر بالله؟
قالوا: فرَّ مهزوم!
ثم سقطت طليطلة…
المدينة أطلالٌ ورجوم،
بلا شموس،
وسماؤها غيوم،
لا شيء…
إلا مسجد الباب المردوم.
ذهبتُ أصلّي، وأدعو الله،
فكَّ الكرب وزوال الهموم.
وجدتُ حبيبتي
بفناء المسجد،
تبكي، وشكواها
للحيّ القيوم.
شاحبة… غابرة… يائسة،
يملؤها اللوم،
تشكوا لله من نفسها،
ومن بقايا الروم.
فلم يتركوا فيها
شيئًا مرحوم،
أطلالُ حبيبتي أرى،
وكلُّ ما فيها مكلوم،
كلُّ ما فيها يبكي ندمًا،
والنحيب مكتوم.
طبطبتُ لها بيدي
على كتفها…
نظرتْ إليَّ،
وفاضت روحها
بتاريخٍ غير معلوم.
فحمدتُ الله كثيرًا…
كثيرًا،
فكان كابوسًا…
ثم صحوتُ من النوم.
حمدي عبد العليم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق