
صمتٌ يساوي الحياة
مَا كُلُّ نَفْسٍ تَسْتَطِيعُ فِرَاقَهَا
فِرَاقُ مَنْ سَكَنَ الفُؤَادَ مَمَاتُ
نَمْشِي وَتَحْسَبُنَا الحَيَاةُ كَأَهْلِهَا
وَلَنَا وَرَاءَ الصَّامِتِينَ حَيَاةُ
نَقْتَاتُ مِنْ طَيْفِ الرَّحِيلِ مَوَاجِعًا
طَالَتْ… وَفِي أَعْمَاقِنَا آيَاتُ
فَإِذَا صَمَتْنَا وَالحَبِيبُ مُهَاجِرٌ
خَانَتْ مَعَانِي الشَّوْقِ كُلَّ كَلِمَاتُ
أَشْيَاءُ فِينَا تَسْتَبِيحُ سُكُونَنَا
وَنَعِيشُ فِي ظِلِّ الأَسَى دَرَجَاتُ
مَا كُلُّ مَا نُخْفِي يُقَالُ لِسَامِعٍ
فَلِبَعْضِ أَسْرَارِ القُلُوبِ جِهَاتُ
تِيهٌ… وَوَقْتٌ لا يَمُرُّ كَأَنَّهُ
فِي مُقْلَةِ العَيْنِ الحَزِينَةِ بَاتُوا
فَالصَّمْتُ لَا يَعْنِي الرِّضَا لَكِنَّنَا
مَوْتَى… فَهَلْ يَحْيَا لَنَا الأَمْوَاتُ؟
نُخْفِي انْكِسَارَ الرُّوحِ خَلْفَ تَمَاسُكٍ
وَنُرَتِّبُ الآهَاتِ وَهْيَ شَتَاتُ
نَبْكِي… وَلا تَدْرِي العُيُونُ بِدَمْعِنَا
فَالقَلْبُ فِيهِ لِلدُّمُوعِ بُيُوتُ
نَمْضِي وَفِي أَعْمَاقِنَا صَوْتٌ بَكَى
يَحْيَا… وَفِي صَمْتِ الضُّلُوعِ يُمَاتُ
وَنَمُرُّ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّا عَابِرُونَ
وَلِكُلِّ دَرْبٍ فِي الخُطَى سَكَنَاتُ
نَخْشَى الحَدِيثَ فَفِي الحُرُوفِ فَضَائِحٌ
وَالصَّمْتُ أَسْتَرُ مَا تَقُولُ الشَّفَاتُ
كَمْ مِنْ حَنِينٍ فِي الضُّلُوعِ مُعَلَّقٍ
يَأْبَى الظُّهُورَ وَتَكْتُمُهُ الذَّاتُ
نَسْتَرْجِعُ الأَيَّامَ حِينَ تَبَاعَدَتْ
فَكَأَنَّهَا فِي الرُّوحِ مُنْحَنَيَاتُ
وَنُحِبُّ مَنْ مَضَى… وَلَا نَنْسَاهُ فِي
قَلْبٍ بِهِ لِلذِّكْرَيَاتِ ثَبَاتُ
نَسْأَلُ اللَّيَالِي: هَلْ تَرُدُّ غِيَابَهُ؟
فَتَرُدُّ صَمْتًا… بَعْدَهُ أَنَّاتُ
نَحْيَا عَلَى حُلْمِ اللِّقَاءِ وَإِنَّمَا
تَبْقَى الأَمَانِي وَحْدَهَا فُتَاتُ
وَنَخُوضُ بَحْرَ الشَّوْقِ دُونَ سَفِينَةٍ
فَتَغُوصُ فِينَا الذِّكْرَيَاتُ
وَنَفِرُّ مِنْ وَجْهِ الحُزْنِ وَهْوَ لَازِمٌ
كَالظِّلِّ… لَا تَفْنَى لَهُ خُطُوَاتُ
مَا عَادَ فِي القَلْبِ المَجَالُ لِفَرْحَةٍ
إِلَّا وَتَكْسِرُهَا الأَسَى نَبَضَاتُ
نُخْفِي الحَنِين وَفِي العُيُونِ حِكَايَةٌ
تَرْوِي الَّذِي أَخْفَاهُهُ السُّكُوتُ
نَمْشِي وَفِي الأَعْمَاقِ صَوْتٌ صَارِخٌ
لَكِنَّهُ بَيْنَ الضُّلُوعِ يُمَاتُ
وَنُرَاقِبُ الأَيَّامَ وَهْيَ تَفُوتُنَا
كَأَنَّنَا فِي عُمْرِنَا أَمْوَاتُ
نَظُنُّ أَنَّ الصَّبْرَ يُنْجِينَا… فَلَا
نَجْوَى… وَلَا فِي الصَّبْرِ مُنْجِيَاتُ
يَبْقَى الحَبِيبُ بِدَاخِلِ الأَعْمَاقِ لَا
تَمْحُوهُ أَيَّامٌ وَلَا سَنَوَاتُ
وَكَأَنَّنَا فِي الحُبِّ لَمْ نَخْتَرْهُ بَلْ
هُوَ قَدْ أَتَانَا وَاخْتَفَتْ خِيَارَاتُ
نَحْيَا عَلَى ذِكْرَى اللِّقَاءِ كَأَنَّهَا
نَبْضٌ بِهِ لِلرُّوحِ فِيهِ ثَبَاتُ
وَنَمُوتُ فِي لَحْظِ الفِرَاقِ كَأَنَّنَا
لَمْ نَعْرِفِ الدُّنْيَا وَلَا اللَّذَّاتُ
مَا بَيْنَ صَمْتٍ وَانْكِسَارٍ حَالُنَا
تَاهَتْ بِهِ فِي دَرْبِنَا الخُطُوَاتُ
فَإِذَا سَأَلْتَ عَنِ الحَقِيقَةِ فَاعْلَمَنْ
أَنَّ المُحِبَّ لِحُبِّهِ مَوْتَاتُ
هَذَا فُؤَادٌ قَدْ أَضَنَّتْهُ المُنَى
وَأَتَتْ عَلَيْهِ مِنَ الزَّمَانِ سُبَاتُ
لَا شَيْءَ يُنْسِينَا سِوَى نِسْيَانِنَا
وَالنِّسْيَانُ لِلْعُشَّاقِ مُسْتَحِيلَاتُ
فَاصْبِرْ… فَإِنَّ الصَّبْرَ أَضْعَفُ حِيلَةٍ
إِنْ كَانَ فِي قَلْبِ المُحِبِّ ثَبَاتُ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الصَّمْتَ آخِرُ مَا لَنَا
إِذْ تَعْجِزُ الأَلْفَاظُ وَاللُّغَاتُ
الشاعر إبراهيم شبل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق