(حين يذوب الخريف في عينيك)
إلى زوجتي في الثالث والعشرين من أكتوبر
في الثالث والعشرين من أكتوبر
تخلع الأشجار خواتمها الذهبية
وتترك للريح أن تجرب أصابعها في العزف
وأنا أخبئ ورقة من عمري
بين صفحات كتابك
لعلك بعد أعوام تفتحين الكتاب
فتجدين خريفا كاملا مازال أخضر
في الموضع الذي لمسته يداك
يامرأة كلما أقبل يوم ميلادها
شعرت أنني أنا الذي ولدت
وأن السنوات التي عبرتني
لم تكن سوي ممر طويل إلى عينيك
أحبك وأخشي أن أقولها كثيرا
فتعتادها الجدران
وتنام المرايا ولا ينتبه العالم
إلى الحريق الصغير الذي يشتعل
في يدي كلما لامستها يداك
أراك قرب النافذة فيخيل لي
أن القمر نافذة أخري فتحها الليل كي يراك
وأعد فنجاني قهوة وأضع فنجانك
في موضعه المعتاد
فتتصاعد الرائحة وتلمع ملعقتك
على المائدة ويحتفظ الكرسي
بانحناءة جسدك
أرفع فنجانك وأنتظر رشفتك الأولي
فلايحدث شئ غير أن النافذة تفضح غيابك وأن رعشة يدك تقول ماعجزت عنه
تعالي
فلقد أخرت الساعة وأغلقت الباب
على ضجيج العالم
ضعي رأسك على كتفي
ودعي المساء يفك ضفائره حولنا
سأقبلك حتى تنسي الشفاه
أنها تعلمت الكلام
وحتى يتعثر الليل في خطوتين متعانقتين ثم نضحك لأن العمر
الذي أخافنا طويلا لم يستطع
رغم كل مافعل أن ينتزع منا
حيلنا القديمة
وفي يوم ميلادك سأشعل الشموع
واحدة لكل عام
وحين تنطفئ ستبقى واحدة مشتعلة سأتعمد ألا أطفئها
سأراك في ضوئها وأرى حول عينيك
أعواما من الضحك وأياما من التعب
وأبوابا أغلقتها الحياة
ثم فتحناها معا
وسأفهم دون أن أقول
أنني لا أحب وجهك
لأنه لم يتغير بل لأن كل ماتغير فيه
صار عزيزا علي
يامرأتي
لا أطلب من الخريف
أن يعيد أوراقه إلى الأغصان
ولا من الساعة أن ترد إلينا مامضي
يكفيني أن أجدك في الصباح
وفنجانك إلى جواري
ويدك على طرف الغطاء
حين تنامين
يكفيني أن أكبر وأنا هنا
وأن تتعب خطانا طويلا
وتظل قلوبنا تسبقنا إلى اللقاء
وفي الثالث والعشرين من أكتوبر
حين تنفخين في الشموع
لن أغمض عيني لأتمني
سأظل أنظر إليك كي لا يفوتني شئ
ثم أقترب وأهمس في أذنك
كل عام وأنت حبيبتي
كأنني أقولها للمرة الأولي
وكأن تلك القبلة التي خبأتها لك
طول العام مازالت ترتجف على شفتيي
فإذا انطفأ آخر ضوء وبقيت أنت
سأعرف أنني لم أخسر عاما آخر من عمري
لقد ربحت عاما جديدا أحبك فيه
محمد أبو الحسن
الإسكندرية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق