الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

حين سرق الليل منها ليلة كاملة ...... بقلم الأديبة الكاتبة الإعلامية .أ . نعمت مصطفى✍️

 قد تكون صورة ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏نص‏‏


حين سرق الليل منها ليلة كاملة
لم تكن تخاف الوحدة... كانت تخاف أن يكتشف أولادها أنها تخافها.
ولهذا كانت كلما رن الهاتف تقول قبل أن تسمع صوت ابنتها: «أنا بخير يا حبيبتي... متتعبيش نفسك وتيجي .» حتى لو كانت قد أمضت يومها كله دون أن تحدث أحدًا.
كانت تعرف كيف تخبئ احتياجها جيدًا. تضع كوب الماء بجوارها، ودواءها في مكان قريب، وتعد طعامًا يكفيها، وتقول للمرآة كل صباح: «لسه أهو... بنقدر.» وكانت المرآة تصمت، فهي الوحيدة التي لم تكن تجاملها.
في ذلك اليوم جلست على الأريكة كعادتها. كانت الشمس تميل إلى الغروب، والبيت هادئًا إلا من صوت الساعة المعلقة على الحائط: تك... تك... تك... وكان صوتها يطمئنها؛ فالساعة بالنسبة لها لم تكن مجرد ساعة، كانت تقول لها إن الدنيا ما زالت في مكانها، وإن الصباح جاء والظهر مضى والمساء يقترب، وإن لكل شيء موعدًا... حتى الوحدة.
وضعت رأسها على ظهر الأريكة وقالت: «هريح شوية بس.» ثم نامت.
وحين فتحت عينيها كان أول ما فعلته أنها بحثت عن الساعة.
السابعة!
شهقت وقالت: «يا ساتر... أنا اتأخرت!»
نهضت بسرعة، توضأت، وصلت، وهي تظن أنها تلحق صلاة العصر قبل المغرب. وبعد الصلاة جلست قرب النافذة تنتظر الغروب لتصلي المغرب.
لكن الشمس لم تغرب.
بل بدت أكثر سطوعًا.
نظرت إلى الساعة، ثم إلى السماء، وقالت: «غريبة... هو المغرب اتأخر ليه؟»
وشيء صغير في داخلها بدأ يرتجف.
حاولت أن تتذكر: متى جلست؟ متى نامت؟ كم ساعة مرت؟
لم تجد جوابًا.
ثم جاءها سؤال بسيط جدًا: «أنا فطرت إيه؟»
أغمضت عينيها وحاولت أن تتذكر. جاء إلى ذهنها طعام معين، ثم تذكرت أنها كانت قد أخبرت ابنتها عنه أمس.
جلست ساكنة.
نظرت إلى الأريكة، ثم إلى الساعة، ثم إلى النافذة، وقالت بصوت خافت: «أنا... كنت نايمة؟»
وسكتت.
ثم سألت نفسها: «أنا نمت بالليل؟»
نظرت إلى الشمس.
وفي لحظة واحدة فهمت.
لقد نامت الليل كله وهي جالسة على الأريكة.
لم تشعر بالليل، لم تسمع أذان الفجر، لم ترَ الصباح وهو يأتي.
كانت تنتظر المغرب... والشمس كانت شمس الصباح.
جلست وهي تشعر أن شيئًا أكبر من النسيان حدث لها.
لم تكن المشكلة أنها أخطأت في الوقت، بل أن الوقت نفسه أفلت من يدها.
تذكرت كيف كانت طوال عمرها تعرف مواعيد الجميع: موعد خروج زوجها، وعودة أولادها، والغداء، والدواء، والنوم.
كيف حدث الآن أنها نامت ليلة كاملة ولم تعرف؟
وضعت يدها على رأسها وهمست: «يا رب...»
كانت هناك كلمة تخاف منها، لا تريد حتى أن تنطقها.
الزهايمر.
هزت رأسها بسرعة: «لأ... لأ، يمكن أنا تعبانة.»
لكن صوتًا من داخلها سألها: «طيب ولو مش تعب؟ ولو دي بداية حاجة؟»
اغرورقت عيناها.
لم تكن تخاف المرض وحده.
كانت تخاف أن يأتي اليوم الذي تحتاج فيه إلى أبنائها في كل شيء.
كانت تخاف أن تصبح عبئًا عليهم.
مدت يدها إلى الهاتف، وظهر أمامها اسم ابنتها.
ظلت تنظر إليه طويلًا.
كان بإمكانها أن تتصل وتقول: «تعالي يا بنتي.»
لكنها تراجعت.
وقالت لنفسها: «لا... سيبوهم يعيشوا. هما عندهم حياتهم.»
ثم ابتسمت ابتسامة موجوعة.
كم مرة قالت لنفسها: «ولادي مشغولين» حتى صدق أولادها أنها لا تحتاجهم؟
هي لم تكن تحتاج شيئًا كبيرًا.
كانت تحتاج فقط إلى صوت أحدهم.
إلى يد تطمئنها.
إلى شخص يجلس بجوارها ويقول: «أنا هنا.»
نظرت إلى يديها وحركتهما ببطء، ثم قالت: «لسه إيديا موجودة.»
وضعت يدها على صدرها: «ولسه قلبي بيدق.»
ثم رفعت عينيها إلى السماء: «ولسه أنا عارفة ربنا.»
وسقطت دمعة.
«بس يا رب... لو أخدت مني الأيام حاجات، متاخدش مني ولادي. ولو نسيت أسماءهم، خلي قلبي يفتكرهم. ولو نسيت أنا مين، خليهم يفتكروا إني كنت أمهم.»
ثم أمسكت الهاتف.
هذه المرة اتصلت بابنتها.
رن الهاتف مرة... مرتين... ثلاثًا.
جاء صوت ابنتها: «أيوه يا ماما؟»
لم تقل: «أنا نسيت.»
ولم تقل: «أنا خايفة.»
قالت فقط: «إنتِ مشغولة يا حبيبتي؟»
قالت ابنتها: «لأ يا ماما، قولي.»
صمتت الأم قليلًا، ثم قالت بصوت خرج من أعمق مكان في قلبها:
«تعالي اقعدي معايا شوية.»
سكتت الابنة لحظة، ثم قالت: «جاية يا ماما.»
وضعت الأم الهاتف بجوارها وابتسمت.
لم تكن تعرف إن كان ما حدث عابرًا أم بداية رحلة أخرى في العمر، لكنها عرفت شيئًا واحدًا: أنها ليست مضطرة لمواجهة خوفها وحدها.
وحين دخلت ابنتها، لم تسألها الأم عن الوقت، ولا عن اليوم، ولا عما حدث في الليل.
فقط أمسكت يدها وضمّتها، وكأنها تمسك بالزمن كله حتى لا يهرب منها مرة أخرى.
وفي تلك اللحظة، لم يكن مهمًا إن كانت قد نسيت ليلة...
فهي ما زالت تتذكر شيئًا أهم:
أن اليد التي ربّت أبناءها يومًا، قد تحتاج يومًا إلى يد تمسك بها.
فبعض الأمهات لا يخيفهن أن ينسين الطريق إلى الغرفة...
يخيفهن أن ينسين الطريق إلى قلوب أبنائهن.
وبعض الآباء لا يخافون الشيخوخة...
يخافون اليوم الذي تصبح فيه كلمة «تعالَ» ثقيلة على من ربّوه.
لذلك، حين يقول لك أب أو أم: «اقعد معايا شوية»... لا تبحث عن عذر.
فربما لم يكن طلبه للجلوس...
بل كان طلبًا صامتًا للأمان.
نعمت مصطفى✍️

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حين سرق الليل منها ليلة كاملة ...... بقلم الأديبة الكاتبة الإعلامية .أ . نعمت مصطفى✍️

  نعمت مصطفي حين سرق الليل منها ليلة كاملة لم تكن تخاف الوحدة... كانت تخاف أن يكتشف أولادها أنها تخافها. ولهذا كانت كلما رن الهاتف تقول قبل ...